درس خصوصي (قصة قصيرة)
الجو بارد جداً وأنا أحاول إخفاء رقبتي بياقة المعطف الجلدي كيلا يتسرب الهواء البارد إلى جسدي، المطر يهطل بغزارة، كنت أنتظر الحافلة تحت سقف الموقف العمومي وقد تزاحم عليه كثير ممن ينتظرون وصول حافلاتهم.
منطقة وسط البلد تبقى مزدحمة حتى هذا الوقت وقد هبط الظلام، والمحلات أنارت لوحاتها الدعائية وواجهات العرض الزجاجية، حركة السير هنا معقدة ويزيدها هطول المطر تعقيداً، وأنا أقف بزاوية الموقف منتظراً الفرج بقدوم حافلتي.
كانت سيارات الأجرة تخفف سرعتها كلما مرت أمام موقف الحافلات وكأنها تحاول إغواء الناس لاستئجارها، ولكن الجميع بقي صامداً في وجه رفاهية سيارة الأجرة، حتى أنا حدثتني نفسي أكثر من مرة أن أنهي معاناتي بإعطاء إشارة شجاعة من يدي إلى سيارة أجرة لانتشالي من هناك، لكنني كلما تخيلت ورقة المئة ليرة التي سأدفعها لسائق سيارة الأجرة تراجعت عن الفكرة لأبقى مرابطاً مع البقية تحت موقف الحافلات.
تأخرت الحافلة، والريح تزداد برودة، أشعر بتجمد أصابع قدمي، فكرت حينها بأني ما كان علي أن أعطي دروساً خصوصية لطلاب يسكنون وسط البلد، هذا المكان بعيد جداً عن المنزل. كان علي أن استقل حافلتين كي اصل إلى دفء المنزل.
تتمهل سيارة مرسيديس فضية فاخرة أمام الموقف، يسدل السائق عن النافذة وينادي: - أستاذ عبد الجواد، تفضل أوصلك.
أتفاجئ جداً، إنه يناديني أنا، لقد جاء المخلص بسيارته الفاخرة، ولكن من عساه يكون هذا ؟؟؟ اقترب من الشباك ببطئ، أنظر من خلال النافذة وإذ بشاب أنيق عليه علامات اليسار يجلس خلف المقود
- تفضل تفضل أستاذ عبد الجواد
يتبادر لذهني حينها أن الرجل كان أحد طلابي القدامى، أفتح باب السيارة، استرق النظر سريعاً إلى أؤلئك الذين ما يزالون منتظرين عند الموقف فرأيتهم جميعاً ينظرون إلي كما لو أني أقترف ذنباً أو خيانةً بحقهم، كنت على يقين بأن الجميع يحسدني على هذا. جلست على المقعد الفاخر فأحسست بدفء رهيب تسلل إلى عروقي، مددت يدي أصافح ذلك الشاب: - الله يعطيك العافية يا أبني…
نظرت في عينيه، حاولت التذكر، أحسست بأن وجهه ليس غريباً عني، بل أحسست وكأنني أعرفه جيداً جداً
- لم تتذكرني أستاذ عبد الجواد؟
يسألني متبسما، أنظر إليه بجدية، أهمهم.
- دعني أتذكر، دعني أتذكر، اللهم صلي على النبي ….
يبدأ الشاب بقيادة السيارة، الشوارع مزدحمة للغاية، وهو يقود بمنتهى الاسترخاء، فجأة تلمع ذاكرتي باسم قد يكون هذا الشاب صاحبه ،مستحيل! هل يمكن أن يكون منير النجار؟ … نعم، هذا هو منير النجار. ولكن كيف؟
أقول بحذر: - منير النجار، أليس كذلك؟
ترتسم ابتسامة عريضة على وجهه، ينظر إلي نظرة خاطفة، يتابع القيادة
- ماشاء الله عليك يا استاذ ما تزال ذاكرتك قوية
- نعم، أنت منير حسن النجار، أذكرك تماماً
كيف أنسى طالباً كهذا، لقد كان أسؤ طالب يمر علي في حياتي، لقد شيبني هذا الطالب مبكراً لفرط غبائه وكسله.
أستطرد قائلاً: - كيف هو الوالد، إنشاء الله تكون صحته جيدة؟
- الحمد الله يا أستاذ، الحاج أصبح كبيراً ولم يعد يستطيع النزول إلى العمل.
الحاج حسن النجار كان رجلاً كبيراً منذ أن التقيته أول مرة، كان متديناً، أبيض الشعر واللحية، والسبحة لا تغادر يمينه. كان على ما أذكر يمتلك ورشة لتصنيع الأحذية ومحل لبيعها في وسط البلد.
السيارة تتحرك بنا ببطئ، تتوقف حيناً وتمشي حيناً آخر، والناس قي الخارج يحاولون الهروب من الأمطار.
- إلى البيت، أليس كذلك؟
يسألني منير دون أن يلتفت إلي.
- نعم، شكراً لك
- هل مازلت تقطن حي "الفارابي"؟
- نعم هذا صحيح، حي "الفارابي"، مازلت تذكره أليس كذلك؟
- أيه، بالطبع أتذكره وأتذكر تلك الأيام عندما كنت أحضر إلى منزلك لتعطيني درس الرياضيات.
ويقهقه بالضحك وكأنه قد سرد طرفة، يتوقف عن الضحك تدريجياً، أشعر به يغوص في ذكرياته هناك إلى منزلي الصغير حيث كنا نجلس قرب المدفئة على طاولة منخفضة وأنا أجاهد في تعليمه.
أجيبه مع ابتسامة:
- صحيح هذا زمن طويل، خمسة أعوام أعتقد؟
- ستة
يجيبني على عجل، أراه فعلاً يغوص بفكره إلى تلك الأيام وهو يبحلق بالطريق لا يلتفت إلي وكأنني بدأت أثير لديه ذكرى أليمة!
أذكر تماماً تلك الأيام، منير طالب لا ينسى، كان أبوه ميسور الحال لكنه كان يصر بأ