كتاب حياة الرافعي
كتبهارامي السلام ، في 3 أغسطس 2007 الساعة: 13:03 م
وقع بين يدي مؤخراً كتاب أخرجه الأديب محمد سعيد العريان سنة 1938 للميلاد ، وهو كتاب مفصل يتناول حياة الأديب مصطفى صادق الرافعي المتوفى سنة 1937، والكتاب يعكس إلى حد بعيد البيئة الأدبية التي عاشتها مصر في تلك الحقبة.
الكاتب يرى عليه واجبا نقل الشهادة لتنصف الرافعي في التاريخ بحكم قرب مكانته من فقيد اللغة الرافعي والصداقة الوطيدة التي كانت بينهما، وقد اعتبر الكتاب من أهم المراجع التي تناولت سيرة الرافعي بالخصوص وسيرة معاصيره من الأدباء والشعراء عموماً.
والكاتب رجل قريب العهد بالرافعي، ودني من مجلسه فلا يسعنا أن نضع في محتوى الكتاب ما نضع من شكوك اعتدناها في الكتب التي تسرد التاريخ بعد مضيه وتتحدث عن القصور بعد احتراقها . وإن كان الرجل صاحباً قريباً من الرافعي إلا أن قراءة سريعة للكتاب تجعلك في يقين من موضوعية الكاتب وتوخيه الحقيقة، والله أعلم!
ويسرد الكاتب تفاصيل من سيرة الرافعي الشخصية والأدبية لتقترب الأذهان من شخص أديب أضاف اسمه إلى قائمة أئمة اللغة العربية ومبدعيها.
ركز الكاتب فيما كتب على اسلوب الرافعي في الدعاية لأدبه ومحاولته لزج اسمه بين أدباء عصره في وقت مبكر من عمره، وهو أمر عرف عن الكثيرين من الأدباء والشعراء، إلا أن الكاتب يفضح أحداثاً كان منها أن الرافعي تعود نشر مقالات يمتدح بها شعره تحت اسماء مستعارة في الصحف والمجلات صاحبة الانتشار آنذاك، وهو أمر ما كان ليوفق به الرافعي لولا أنه قد حبك خطته بدهاء . ويصبح هذا الحديث طريفاً حين يكتب الرافعي باسم مستعار مقالة يصنف فيها شعراء عصره إلى طبقات فيضع نفسه في الطبقة الأولى مع البارودي ، وينزل شوقي إلى الطبقة الثانية!
ويسهب العريان في قصة حب بين الرافعي و"فلانة" كما أحب الكاتب أن يسميها، ويؤكد الكاتب أن كثيراً من أعمال الرافعي كانت من وحي حبه لفلانة هذه. وإن كان الكاتب حريص على ألا يذكر اسم فلانة الحقيقي في ثلاثينيات القرن الماضي حفاظاً على وعود اطلقها ومشاعر يخاف خدشها، إلا أن أي متتبع لأدب تلك الفترة يعلم أن فلانة هي في واقع الأمر الأديبة مي زيادة، ومن المعلوم ان الرافعي كان من مرتادي صالونها الأدبي الشهير.
ويجزم العريان بأن الرافعي أحب مياً، ويلمح أن مياً قد بادلته حباً بحباً، وهذا يشعل الكثير من الجدل ويفتح باباً للنقاش. فمن السائد بين عموم الأدباء أن مياً كانت متعلقةً بجبران وجبران لم يلتقي مياً في حياته أبداً ولم يزل يكتب لها "بالصديقة" مي. ومن المعلوم أن كثيراً من الأدباء قد حاولوا التقرب من مي إلا أنها أبت إلا أن تكون العلاقة بينها وبين "زملائها" علاقة صداقة واحترام، فأين الرافعي من هذا الكلام؟
يقول محمد الحجيري في السفير:
"أما مصطفى صادق الرافعي فقد زار مياً للمرة الاولى في صالونها سنة 1923 وكان قد ناهز الثانية والاربعين، وقد بالغ بعض الكتاب في وصف مشاعر الرافعي تجاه مي، ومن ذلك ما ذكره كامل الشناوي في كتابه < <الذين أحبوا مي>>، عندما زعم ان الرافعي قد < <جن بمي غراما.. وفكر ان يتخذها ضرة لزوجته.. بل انه كتب أوراقا كالتميمة ظن أنها تجلب له قلب مي وتحببها فيه وعلقها على سارية بأعلى منزله..>>. وكتب محمد سعيد العريان ان الرافعي أحب مياً < <حباً عنيفاً جارفاً لا يقف في سبيله شيء، ولكنه حب ليس من حب الناس، حب فوق الشهوات والغايات الدنيا، لأنه ليس له مدى ولا غاية>> الخ.. لكن سلمى الحفار الكزبري حاولت حسم الجدل في علاقة الرافعي بمي، عندها كتبت، ان الامر لا يعدو كونه اندفاعا عاطفيا من الرافعي قابلته مي بلياقة، كما كان الحال بين مي ومن عرفتهم من أهل الثقافة".
وتدافع سلمى الحفار الكزبري (أديبة دمشقية توفيت سنة : 2006)
"وفى القاهرة, خالطت ميّ الكتاب والصحفيين, وأخذ نجمها يتألق كاتبة مقال اجتماعي وأدبي ونقدي, وباحثة وخطيبة. وأسست ميّ ندوة أسبوعية عرفت باسم (ندوة الثلاثاء), جمعت فيها - لعشرين عامًا - صفوة من كتاب العصر وشعرائه, كان من أبرزهم: أحمد لطفي السيد, مصطفى عبدالرازق, عباس العقاد, طه حسين, شبلي شميل, يعقوب صروف, أنطون الجميل, مصطفى صادق الرافعي, خليل مطران, إسماعيل صبري, وأحمد شوقي. وقد أحبّ أغلب هؤلاء الأعلام ميّ حبًّا روحيًّا ألهم بعضهم روائع من كتاباته. أما قلب ميّ زيادة, فقد ظل مأخوذًا طوال حياتها بجبران خليل جبران وحده, رغم أنهما لم يلتقيا ولو لمرة واحدة(!). ودامت المراسلات بينهما لعشرين عامًا: من 1911 وحتى وفاة جبران بنيويورك عام 1931."
د. محمد أبو بكر حميد (السعودي)
"وما يقال عن حبه لمعاصرته الأديبة الشامية المعروفة الآنسة مي زيادة فيه من الخيال أكثر مما فيه من الواقع.
لقد هب الحب على قلب الرافعي مثله مثل كل إنسان ولكنه لم يترك هذا الحب يعصف بحياته فسرعان ما حوله إلى نسيم يستوحي منه أرق وأجمل مؤلفاته لغة وأسلوبا ومعنى، فليس الرافعي الذي يسلم قياده لهواه، فإذا كان حبه أقوى منه قد كان دينه وإيمانه أقوى من حبه، وهو القائل:
الحب سجدة عابد *** ما أرضه إلا جبينه
قلبي يحب وإنمـا *** إيمـانه فيه ودينه
"
وما كنت أحب الإطالة بهذه القصة لولا أن الكاتب قد أطال بها ومحصها تمحيصا، وإن كنت أقرب للظن أن الرافعي أحب مياً ومي أحبت أدب الرافعي وحسب!
كتاب العريان ينقلنا إلى عصر الرافعي وشوقي وحافظ ابراهيم وخليل مطران والعقاد والمنفلوطي وطه حسين ومي زيادة وغيرهم، وهو عصر ذهبي في تاريخ اللغة العربية ومحاولة النهوض بها، وأهم من هذا أنه كان عصر حوار ثقافي منقطع النظير فالكلام عن النقاشات الأدبية والصالونات والجرائد والمجلات كلام يوضح بجلاء أن الأدب لا يعيش ولا يزدهر إلا بالمشاركة وتبادل الآراء والنقد المتبادل.
الكتاب يفصل معارك لرافعي الأدبية مع أدباء عصره، وقد عرف عن الرافعي مشاكسته وحبه خوض الحروب والدخول بنقاشات وجدالات طويلة مع أكبر أدباء عصره، ومن المعلوم أنه كان العدو الأشرس لطه حسين. ولا أنكر أن سبب قرآتي لكتاب حياة الرافعي كان بدعوة من صديق يعرف موقفي المعارض لمذهب طه حسين الأدبي، وهو مذهب غريب منعزل، ولكن الكاتب نفسه لم يخف وقوفه المطلق مع الرافعي ولم يخف مشاعره حيال طه حسين ففقد في مرحلة ما حياديته كراوية لا محلل أدبي.
وقد نستشف من كلام العريان أن صديقه الرافعي ما كان يستطيع العيش دون عدو يتسلى معه!!! فكان أحياناً يختلق العداوات ويأجج نارها كي تبق لمقالته شعبيتها وزبائنها، وهذا ما حصل حين بدأ حربه مع الأديب الكبير عباس محمود العقاد.
الكتاب حسن الصياغة وجيد الاستساغة، وانصح بقرائته
رحم الله الرافعي ورحم الله الجرائد العربية!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نقد | السمات:نقد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 5th, 2007 at 5 أغسطس 2007 5:37 م
هل تعرف أنك أثلجت صدري بكلامك؟ لقد تأكدت أن الجيل العربي بخير ليس كله سطحيا منقطع الصلة بالثقافة إلى الأمام دائما
أغسطس 6th, 2007 at 6 أغسطس 2007 12:05 ص
شكرا على إطرائك أستاذ مشير
الجيل يحتاج للتشجيع فقط … وهل أجمل من الثقافة
إنما أنا أحاول أن أجد لنفسي مكان بينكم
أتمنى عودتك سيدي
أكتوبر 29th, 2008 at 29 أكتوبر 2008 11:41 م
شكراً أستاذنا
ياريت تضع لنا رابط الكتاب كي نستطيع تحميله و شكرا
نوفمبر 8th, 2008 at 8 نوفمبر 2008 7:50 م
العب